حيدر حب الله
129
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ ) ( محمد : 36 ) ، فلاحظوا كيف يربط القرآن الكريم دائماً بين الدنيا والآخرة عندما يقوم بتوصيف الدنيا باللهو واللعب ؛ ليشير إلى حقارتها أمام الآخرة في تجربة الإنسان ، كي لا يغترّ بها ، لا في أنّ خلقها بنفسها مفسدةٌ أو عبث ، بل هي مصلحةٌ للإنسان كي تكون فرصةً له لكسب الآخرة السعيدة . د - وقال تعالى : ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ * سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ . . ) ( الحديد : 19 - 20 ) . إنّ التوصيفين المتقابلين يراد منهما - بملاحظة السياق - حثّ الإنسان على السبق واللحاق بركب الذين يكسبون الجنّة ، وليس توصيفاً لخلق الله للدنيا بأنّه لهو ولعب ، فالدنيا مصلحةٌ عظمى في الخلق ، لكنّ جمود الإنسان عليها جمودٌ على ما هو لعبٌ ولهو قياساً بما ضحّى به من سعادة الآخرة ، فما كسبه من سعادة الدنيا هو بمثابة لعبة الأطفال التي يلهون بها قدراً من الوقت ، ثم تنقضي أوقاتها وأزمنتها وتزول . ه - - وقال تعالى : ( وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) ( الجمعة : 11 ) . وبهذا يتبيّن أنّ توصيف الدنيا بأنّها لعب ولهو توصيفٌ لها بملاحظة حال الإنسان مقارنةً بالحياة الآخرة الحقيقيّة ، أمّا الدنيا بما هي في نفسها من حيث خلق الله لها فهي أمرٌ ضروري وحكيم ، كونها المختبر الذي أرادته السماء لبناء